السيد محمد حسين فضل الله

279

من وحي القرآن

المفاهيم عن مواقعها الحقيقيّة ليصلوا من خلالها إلى أطماعهم وغاياتهم المنحرفة . . . فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى من مال وجاه وشهوات وغير ذلك من متاع الحياة الدنيا ، ويسخّرونه في معصية اللَّه ، وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا لأننا شعب اللَّه المختار ، فلا يمكن أن يعذّبنا اللَّه بذنوبنا ، أو يؤاخذنا على أعمالنا ، لأنّ اللَّه لا يعذب شعبه . وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ لأنهم يعيشون حياتهم من أجل الحصول على هذا العرض الزائل ، فلا يكتفون بفرصة واحدة في سبيل تحقيق غاياتهم ، بل يعملون على انتهاز أيّة فرصة جديدة في الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب المادية . * * * اللَّه يناقش الأوضاع المنحرفة لليهود وينطلق القرآن ليناقش أوضاعهم المنحرفة التي لا تتفق مع المواثيق والعهود الإلهية ، التي ألزم بها عباده من أجل الالتزام بالمنهج الحكيم الذي يركز الحياة على قاعدة ثابتة من الحق والعدل والاستقامة على الطريق السويّ . . . أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ؟ ! فكيف التزموا بالباطل وأعلنوه ودعوا إليه ، ونسبوه إلى اللَّه بغير علم ولا هدى ؟ ! هل يمكن أن ينسبوا أنفسهم إلى الجهل ، وهم قد أخذوا الكتاب وَدَرَسُوا ما فِيهِ وفهموا أحكامه وقضاياه ؟ فما معنى هذا السلوك المنحرف ، وهم يدّعون الإيمان باللَّه وبالكتاب ؟ ولكنّ القضية ليست قضية علم أو جهل ، بل هي قضية أطماع وشهوات تختفي وراء كثير من الأقنعة والواجهات ، بعيدا عمّا هو العهد والميثاق والكتاب . . .